في منازلة نصرالله وجعجع
تشكل كل دورة انتخابية على وجه العموم علامة تبرير تلقائية للخطاب التعبوي والدعائي و"الاستنفاري" بما يقيم هامشاً واسعاً بين الحملات الانتخابية والنتائج التي يحملها يوم الانتخابات حيث لا يبقى على أرض الواقع سوى ميزان القوى الحقيقي وحده من دون اي اضافات وهمية.
هذه القاعدة تقلل الى حدود كبيرة "الخطورة الصورية" المضخمة للاحتدامات الكلامية التي يعاينها اللبنانيون قبل شهر تماماً من موعد 7 حزيران والتي تزج عبرها شتى أنواع الوسائل والأساليب والمناورات السياسية والاعلامية والنفسية في المواجهة الدعائية.
ومع ذلك يمكن اعتبار الخطاب المتلفز الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله والمؤتمر الصحافي الذي عقبه لرئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" سمير جعجع واحدتين من ابرز المحطات المنبرية اللتين تعكسان العمق الجدي للصراع السياسي المتحكم بالبلاد على مشارف نهاية مرحلة انتقالية وبدء مرحلة أخرى شديدة الغموض لا يمكن الآن بعد وصفها بأنها مرحلة انتقالية اضافية او مرحلة تأسيسية جديدة.
وتسليط الضوء على صاحبي هاتين المحطتين يجب ألا يتسم بمحاباة او عداء لكليهما اذا اريد لنقاش جدي بارد ان يتخذ مواقف كل منهما نموذجاً لفحص "الخلفية العقائدية" للصراع بين معسكري 14 آذار و8 آذار. ذلك ان السيد نصرالله والدكتور جعجع اتبعا في المحطتين نهجاً منطقياً تسلسلياً كاد على ذروة التناقض والتصادم في مواقف كل منهما ان يكون متطابقاً تماماً في "البناء الفكري" للموقف السياسي المواجه للآخر. ويخطئ الظن من يعتقد ان هذه المواجهة المنبرية تحكمت بها خلفية طائفية كلاسيكية. فالسيد نصرالله لم ير حرجاً في الاستناد الى تعليق للدكتور جعجع نفسه على اطلاق الضباط الاربعة ليضيفه الى مجوعة مترامية من الحجج التي بنى عليها هيكلاً ناجزاً للطعن في المحكمة الدولية اصلاً وفروعاً، ومبدأ وتفاصيل؛ والدكتور جعجع لم يتأخر بدوره عن تلقف الهدية ليفند ردوده على خطاب السيد نصرالله بالاستناد الى كل وقائع "القمع القضائي" في العصر السوري في لبنان. اما المسألة الاتهامية بين تحميل "حزب الله" قوى 14 آذار مسؤولية التداعيات القضائية لاطلاق الضباط والبناء عليها للطعن في المحكمة، ورد جعجع بالذهاب الى تحميل الحزب مسؤولية "تفجير البلاد"، فتبدو بمثابة "القيمة المضافة" لكليهما سياسياً وانتخابياً على السواء في لحظة تجميع كل ما تيسر من اوراق المقارعة والمواجهة على مشارف العدّ التنازلي ليوم المنازلة الكبرى.
ولعل المفارقة اللافتة الأخرى في هذا السياق هي ان المناسبتين ابرزتا ايضاً البُعد الخطير الذي يعكسه تزامن اطلاق الضباط الاربعة وهذه المرحلة المتوهجة من الزمن اللبناني الداخلي. فمواقف السيد نصرالله من المحكمة واتهامات الدكتور جعجع للحزب بدت في مجملها اقرب من المشي بملاصقة الخطوط الحمر تماماً، اذ ان كلاهما لم يخفيا اي تفصيل ينم عن جدية "نظامية" صارمة لدى كل من فريقي النزاع في اعتبار الانتخابات المقبلة واقعة فصل حاسمة بين المشروعين المتصادمين للدولة والسياسة، وكلاهما اكدا المؤكد وثبتا القاعدة التي لا تحتاج الى اثبات وهي ان "الدولة" في لبنان هي صنيعة ميزان القوى المتقلب لا أكثر ولا أقل.
نبيل بومنصف




